محليات

حظوظ نجاح أو فشل التفاوض اللبناني–الإسرائيلي

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لا يمكن فهم المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي من دون العودة إلى المفاهيم الأساسية التي تحكم سلوك الأطراف، وفي مقدمتها مفهوم أفضل بديل لاتفاق تفاوضي (BATNA)، الذي يتحول في النزاعات المعقدة إلى معيار حاسم لتحديد ما إذا كان الطرف سيبقى في التفاوض أو ينسحب منه. فكلما كان هذا البديل قوياً، تراجعت الحاجة إلى التنازل وازداد التمسك بالموقف.

ويرتبط بذلك مفهوم منطقة الاتفاق الممكن (ZOPA)، التي لا تنشأ تلقائياً، بل تتطلب تقارباً بين الحدود الدنيا المقبولة لكل طرف، أي نقاط التحفّظ، والتي تتحول عملياً إلى خطوط حمراء تمس جوهر المصالح والشرعية. وعندما تتقاطع هذه الخطوط، تضيق مساحة التفاوض إلى حد الاختناق، ويتحول المسار إلى صراع على تثبيتها أو كسرها.

في هذا الإطار، لا يعود التفاوض عملية تقنية، بل انعكاساً مباشراً لتوازن القوى، حيث يُقاس النجاح بمدى استعداد الأطراف للتخلي عن بدائلها.

خلل بنيوي: عندما تصبح البدائل أقوى من التسوية

يظهر التفاوض اللبناني–الإسرائيلي كحالة تعاني من خلل بنيوي، إذ إن الأطراف الأساسية لا ترى في التسوية المطروحة خياراً أفضل من بدائلها الحالية، ما يجعل التفاوض يدور في حلقة مفرغة.

إسرائيل: من التفاوض إلى تثبيت المكاسب

تبدو إسرائيل في موقع تفاوضي متقدم، ليس فقط بسبب القوة العسكرية، بل نتيجة طبيعة البديل الذي تمتلكه. فالواقع الميداني يمنحها أدوات ضغط فعالة، لكن الأهم هو ما كرّسه البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الذي أعاد صياغة المشهد التفاوضي عبر إنهاء حالة الحرب ومنح إسرائيل حق الدفاع عن النفس بشكل واسع، وتحميل الدولة اللبنانية مسؤولية ضبط الجماعات المسلحة.

هذا الإطار لم يكتفِ بتنظيم التفاوض، بل عزّز الـ BATNA الإسرائيلي بشكل مباشر، إذ نقل جزءاً من العبء الأمني إلى لبنان، ومنح إسرائيل هامش حركة أكبر، ما يسمح لها بإدارة التفاوض من موقع القوة وتأجيل أي تنازل.

حزب الله: بين الشرعية والاستمرار

في المقابل، يتمسك حزب الله ببديل يقوم على الحفاظ على مشروعية المقاومة، والتي تتعزز مع استمرار الضغط أو الاحتلال. وبالتالي، فإن أي تسوية لا تتضمن انسحاباً واضحاً ووقفاً كاملاً للاعتداءات ستُقرأ كتنازل غير مبرر، ما يجعل رفضها خياراً منطقياً ضمن حساباته.

الدولة اللبنانية: الطرف الوحيد بلا بديل

تبقى الدولة اللبنانية الطرف الأكثر ضعفاً، إذ لا تملك بديلاً أفضل من نجاح التفاوض. ففشل المسار يعني استمرار الانهيار الاقتصادي والسياسي.

ورغم اتخاذها قرارات لنزع الشرعية عن أي عمل عسكري خارج إطارها، إلا أن هذه القرارات تبقى محدودة الفعالية في ظل استمرار الاحتلال أو الاعتداءات، التي تعيد إنتاج مشروعية المقاومة. وهنا يظهر التناقض بين الشرعية القانونية والواقع الميداني.

يعكس استمرار خرق وقف إطلاق النار قناعة ضمنية لدى الأطراف بأن البدائل الحالية لا تزال أفضل من التسوية. فالالتزام بالتهدئة يعني أن الاتفاق أصبح مجدياً، بينما يشير استمرار الخرق إلى أن كلفته ما زالت أعلى من كلفة الواقع القائم.

جوهر التعطيل: تصادم الخطوط الحمراء

تكمن العقدة الأساسية في أن الخطوط الحمراء لكل طرف تتعارض مباشرة مع مطالب الطرف الآخر. فإسرائيل تريد تقييد قدرات حزب الله، بينما يرى الحزب في ذلك تهديداً وجودياً، فيما تحاول الدولة اللبنانية الجمع بين المسارين من دون امتلاك أدوات فرض الحل.

ترتفع حظوظ الفشل لأن الأطراف لا ترى في الاتفاق قيمة تفوق بدائلها. فإسرائيل تستفيد من الضغط، وحزب الله من المشروعية، بينما تبقى الدولة اللبنانية الطرف الوحيد الذي يدفع الكلفة.

الحل الممكن: شروط كسر الجمود

كسر هذه الحلقة يتطلب تحويل التسوية إلى خيار أفضل من البدائل، عبر وقف إطلاق النار، والالتزام السياسي، والتزامن في التنفيذ، وتثبيت الشرعية الوطنية والدولية.

كما أن نجاح أي اتفاق يبقى مرهوناً بوجود راعٍ وضامن دولي وإقليمي فاعل، وفي مقدمهما الولايات المتحدة والسعودية، لضمان التنفيذ والاستدامة، وربط الأمن بالاقتصاد وإعادة الإعمار.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية استراتيجية الأمن الوطني اللبناني كإطار يحوّل حصر السلاح من قرار سياسي إلى آلية تنفيذية ملزمة.

حين يحكم الواقع لا النظرية

في ضوء هذه المعادلة، يبدو من الطبيعي ألا تلقى التسوية قبولاً سريعاً، لأن كل طرف لا يزال يرى أن بديله أفضل. فإسرائيل تجد في الواقع الحالي مكسباً، وحزب الله في استمرار المعادلة ضمانة لوجوده.

وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحسين صياغة الاتفاق، بل في تغيير معادلة البدائل، بحيث يصبح الاتفاق أفضل من الواقع.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا